عماد أبو صالح – الحرية – ديوان قبور واسعة
كل ليلة منذ سنين لايعرف عددها
يتكوّم في ركن
على البلاط..
ويحلم.

زملاؤه في الزنزانة
يُعاملونه بعنف!
لأن إبتسامته المتقطعة
تبرق في الظلمة
وتقلق نومهم.

يركلونه بأرجلهم ويقولون:
“وراءنا تكسير أحجار في الصباح! كُفّ عن هذه السخافات التي لا تتحقق أبدًا“.

إنّه لايحلم أحلامًا كبيرة..
كأن يدق باب البيت.
يُقبّل أطفاله.
فقط يريد أن يشمّ دفقة هواء
لم تُدمِها أسلاك السور
لحظة عبورها إليه.

أن يلمس هذه الشجرة
التي يتعلق في حديد النافذة
بيديه النحيلتين ليراها.

أن يُكلم الله وجهًا لوجه
في فضاء واسع.

“سأخنقها وأريح نفسي
أنا أتعب في تربيتها
ثم تطير وحدها
وتنساني“
يقول هذه الكلمات من يأسه..
لكن ما إن يجيء الليل حتى يحلم مرة ثانية!.

في يوم رأي الباب مفتوحًا
لا بنادق.
ولا كلاب.
ولا حراس.
هو نفسه لم يكن يعرف
أكان ذلك حقيقة أم في حلم.

فرد ذراعيه وجرى
جرى بأقصى مالديه من سرعة
بما سمحت له مفاصله
التي أكلها الروماتيزم!

لكنه توقف فجأة..
كانت الشمس ساطعة
والسماء كبيرة
والحقول خضراء.

أحس نفسه وحيدًا
وضائعًا
ومفضوحًا في النور.

ضرب قبضته في الهواء وعاد
محني الرأس وبخطوات بطيئة.

هناك عند الباب..
زملاؤه كانوا ينتظرونه.
لم يسخروا منه.

واحد أشعل له نصف سيجارة
وواحد ضربه بحنان على كتفه
وواحد أعطاه فأسا ومقطفا.

حتى سجناء الزنازن الأخرى
تظاهروا بأنهم لا يرونه
لئلا يشعر بالحرج.

على الجبل فوق..
لم يكن يراهم في الغبار
لكنه إكتشف لأول مره
أنهم يحضنونه بقوة
بالسلسلة التي في أرجلهم.

إكتشف أنه بدقّات فأسه
عازفُ إيقاعٍ
يجعل غنائهم أكثر عذوبة.

في المساء..
حملوا الفؤوس على الأكتاف!
ومشوا كأي عمّالٍ عائدين للبيت من العمل.
كل عدة خطوات
يحكي أحدهم نكته وينفجرون ضاحكين.

الحراس!
بمرور الوقت
تركوا الباب مفتوحًا
واثقين أنهم لم يعودوا يفكرون في الهرب.

من ديوان الشاعر عماد أبو صالح “قبور واسعة“.
صوت: أحمد قطليش.