أوسمُ من الموت وأطولُ قليلا
لاشكَّ ستأتي، أعرفُ أنكَ ستأتي، وستكون لكَ أربعُ عيونٍ زجاجيةٍ وأيادٍ كثيرةٍ!
وأعرفُ أنكَ سَتهبُّ عليَّ من جهةِ الشمال_ ضدَّ الجُنوب_ الذي جهاتي، لا لشيء، إنَّما لأعلمَ أنَّ الجهات صارت لتتصارع، فمَن سيغلبُ مَن، وأنتَ لستَ الأقوىَ، الريح معك والغبار والطين القديم للأنهار الجافة ومعكَ الطمي كلّما أردتَ لي قبراً صغيراً قربَ تلكَ القصص البعيدةِ والموشاةِ بأضواء الفوانيس ولمعانِ أعينِ الجداتِ أمامَ الضوء الخافتِ مثلَ ضحكاتهنَ حينَ لم ينجبنَ لنا إلاَّ آباءَ بائسين وحزانىَ، يموتونَ في أولِ الروايةِ كأبطال ثانويين يسندونَ روحَ الروي بعدَ موتهم.
أنا اقصرُ منكَ قليلًا ياموت، لكننا حينَ نمشي سويًة في النزهات السوداء، نبدو كأخوين تَوأمين، لنا ظلان متشابهان ويدان طويلتان ووجه وعينان خرزيتان كبحيرة سوداء دائرية، لنا الحديثُ نفسهُ، الأغنيةُ، لازمةُ الأغنيةِ، نبدوا متآخيين، متصالحين، ولاشمسَ في هذا السيرانِ القصير. كلُّ ضوءٍ فضيحةٌ ذلكَ أنَّ ظلّينا يتشاجرانِ على الدوام، ولأخفيَ عجزي عن منازلتكَ، أعدُّ لكَ على أصابعي عددَ قتلايَّ، بينَما أبني كثباناً رملية وأنا أعدُّ قتلاكَ، لو تكفَّ قليلًا، تزجرَ ظلكَ المتعالي بمديحهِ فنرتاحُ كلانا أو نسقطُ من شرفةِ الأحلامِ إلى منزلَ الأوهامِ، تنجو كعادتكَ وأرتّب أنا أجزائيَ بما يليقُ بحياةٍ جديدةٍ ومن جديد.
أنا أوسمُ منكَ ياموت قليلًا، وأهزأُ بكَ كلّما مشيتَ خلفي ووشيتَ بي لوحوشك أو رأيتُ لمعةَ سكينكِ الحنون!، لكننا حين نعزّي سويًة صديقتنا الغابة، غابة الأطفال اللاشوكية، نبدو كطفلين يحفران تحت الشجرة ليصلا ضحكتها ويتركان ذكرى فوق جناح الفراشةِ الغَضّ ويعضّانِ الندمَ على شيءٍ لم يفعلاه حتى تسيل روحُهُ مثلَ خَبر الفَقدِ أو مثل حبرٍ. ويحدث أن تنقلب الغابة كلُّها إلى نهارٍ مكشوفةٌ عنهُ الحُجُبُ، بحيث تقرأ من أشعة شمسه على العشب والتدويرة الزراعية غدنا غدًا

 

صوت: أحمد قطليش.
نص: محمد المطرود.